أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
29
نثر الدر في المحاضرات
رأيت راكبا أقبل على راحلة من أعلى مكة يصيح بأعلى صوته : يا آل غدر ، اخرجوا في ليلتين ، أو ثلاث ، ثم أقبل يصيح حتى دخل المسجد على راحلته ، فصاح ثلاث صيحات ، ومال عليه الرجال والنساء والصبيان ، وفزع الناس له أشدّ الفزع . قالت : ثم أراه مثل على ظهر الكعبة على راحلته فصاح ثلاث صيحات فقال : يا آل غدر ، يا آل فجر ، اخرجوا في ليلتين أو ثلاث . ثم أراه مثل على أبي قبيس كذلك يقول : يا آل غدر ويا آل فجر حتى أسمع من بين الأخشبين من أهل مكة ، ثم عمد لصخرة عظيمة فنزعها من أصلها ، ثم أرسلها على أهل مكة ، فأقبلت الصخرة لها حسّ شديد ، حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفضّت ، فلا أعلم بمكة بيتا ولا دارا ، إلّا وقد دخلتها فلقة من تلك الصخرة . فقد خشيت على قومك . ففزع من رؤياها العباس ثم خرج من عندها ، فلقي الوليد بن عقبة ابن ربيعة من آخر تلك الليلة ، وكان خليلا للعباس ، فقص عليه رؤيا عاتكة وأمره ألا يذكرها لأحد ، فذكرها لأبيه عتبة ، وذكرها عتبة لأخيه شيبة ، فارتفع الحديث حتى بلغ أبا جهل ، واستفاض في أهل مكة . فلما أصبحوا غدا العباس يطوف ، فوجد في المسجد أبا جهل ، وأبا البختري في نفر من قريش يتحدثون ، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل : يا أبا الفضل ؛ إذا قضيت طوافك فهلمّ إلينا . فلما قضى طوافه جاءهم فجلس إليهم ، فقال له أبو جهل : ما رؤيا رأتها عاتكة ؟ قال : ما رأت من شيء قال أبو جهل : أما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء . إنّا كنا وأنتم كفرسي الرّهان ، فاستبقنا المجد منذ حين . فلما تحاكّت الرّكب قلتم : منا نبيّ . فما بقي إلا أن تقولوا : منا نبيّة . لا أعلم في قريش أهل بيت أكذب رجلا ولا امرأة منكم ، فآذوه أشدّ الأذى وقال أبو جهل : زعمت عاتكة أن الراكب قال : اخرجوا في ليلتين أو ثلاث ، فلو قد مضت هذه الثلاثة تبينت قريش كذبكم ، وكتبنا سجلا أنكم أكذب بيت في العرب رجلا وامرأة . أما رضيتم يا بني قصي أن ذهبتم بالحجابة والندوة والسقاية واللواء والرفادة حتى جئتموها بنبيّ منكم . فقال له العباس : هل أنت منته ، فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك . فقال من حضرهما : ما كنت يا أبا الفضل